السيد محسن الأمين
125
أعيان الشيعة ( الملاحق )
كتابه زاد المعاد في هدى خير العباد « 1 » ما حاصله : انه يجب هدم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانا وطواغيت تعبد من دون الله ولا يجوز ابقاؤها بعد القدرة على هدمها وابطالها يوما واحدا فإنها بمنزلة اللات والعزى أو أعظم شركا عندها وبها ويجب على الامام صرف الأموال التي تصير إلى هذه المشاهد والطواغيت في الجهاد ومصالح المسلمين كما أخذ النبي ( ص ) أموال اللات وكذا يجب عليه هدم هذه المشاهد وله ان يقطعها للمقاتلة أو يبيعها ويستعين بأثمانها على مصالح المسلمين وكذا حكم أوقافها فان الوقف عليها باطل وهو مال ضائع فيصرف في مصالح المسلمين انتهى . ولذلك هدم الوهابيون ما استطاعوا هدمه من مشهد الحسين ( ع ) وقبره الشريف أيام استيلائهم على كربلاء وهدموا قبة أئمة البقيع من أهل البيت الطاهر عند استيلائهم على المدينة المنورة في المرة الأولى وفي هذه المرة وهدموا قبورهم الشريفة وسووها بالأرض وشوهوا محاسنها وتركوها معرضا لوطئ الأقدام ودوس الكلاب والدواب وكذلك قبر سيد الشهداء حمزة بأحد وقبته والمسجد الذي عنده وقبور سائر الصحابة والتابعين وغيرهم في مكة المكرمة والمدينة المنورة وجميع الحجاز كما فصلناه في المقدمة الأولى في تاريخ الوهابية لكنهم في المرة الثانية لما عزموا على هدمها أرادوا ان يظهروا مبررا وعذرا لعملهم في هدم قباب أئمة المسلمين وقبورهم وانكار فضلها وفضل أهلها وإهانة من أوجب الله تعظيمه واحترامه حيا وميتا بإهانة قبره من نبي أو ولي أو صديق أو شهيد عملا بشبهتهم الواهية من أن تعظيمها عبادة لها وانها صارت كالأصنام تعبد من دون الله تعالى وانه تعالى نهى عن البناء على القبور فأرسلوا قاضي قضاتهم المسمى الشيخ عبد الله بن بليهد إلى المدينة المنورة في شهر رمضان سنة 1344 وبعد دخوله المدينة وجه إلى علمائها هذا السؤال : ( السؤال الموجه إلى علماء المدينة في هدم القبور ) ما قول علماء المدينة زادهم الله فهما وعلما في البناء على القبور واتخاذها مساجد هل هو جائز أم لا وإذا كان غير جائز بل ممنوع منهي عنه نهيا شديدا فهل يجب هدمها ومنع الصلاة عندها أم لا وإذا كان البناء في مسبلة كالبقيع وهو مانع من الانتفاع بالمقدار المبني عليها فهل هو غصب يجب رفعه لما فيه من ظلم المستحقين ومنعهم استحقاقهم أم لا وما يفعله الجهال عند هذه الضرائح من التمسح بها ودعائها مع الله والتقرب بالذبح والنذر لها وإيقاد السرج عليها هل هو جائز أم لا وما يفعل عند حجرة النبي ( ص ) من التوجه إليها عند الدعاء وغيره والطواف بها وتقبيلها والتمسح بها وكذلك ما يفعل في المسجد من الترحيم والتذكير بين الأذان والإقامة وقبل الفجر ويوم الجمعة هل هو مشروع أم لا أفتونا مأجورين وبينوا لنا الأدلة المستند إليها لا زلتم ملجا للمستفيدين . وهذا نص الجواب المنسوب لعلماء المدينة أما البناء على القبور فهو ممنوع إجماعا لصحة الأحاديث الواردة في منعه ولهذا أفتى كثير من العلماء بوجوب هدمه مستندين على ذلك بحديث علي 125 أنه قال لأبي الهياج ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ( ص ) ان لا تدع تمثالا الا طمسته ولا قبرا مشرفا الا سويته رواه مسلم وأما اتخاذ القبور مساجد والصلاة فيها وإيقاد السرج عليها فممنوع لحديث ابن عباس لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج رواه أهل السنن « 2 » وأما ما يفعله الجهال عند الضرائح من التمسح بها والتقرب إليها بالذبائح والنذور ودعاء أهلها مع الله فهو حرام ممنوع شرعا لا يجوز فعله أصلا واما التوجه إلى حجرة النبي ( ص ) عند الدعاء فالأولى منعه كما هو معروف من معتبرات كتب المذهب ولأن أفضل الجهات جهة القبلة واما الطواف والتمسح بها وتقبيلها فهو ممنوع مطلقا واما ما يفعل من التذكير والترحيم والتسليم في الأوقات المذكورة فهو محدث هذا ما وصل اليه علمنا انتهى . ولسنا نعتقد ولا نظن أن جميع علماء المدينة المنورة موافقون على هذا الجواب وما فيه من الحجج الواهية كما ستعرف وانما هو من الوهابية وإليهم وألفاظه ألفاظهم متوافقة مع عبارات رسائلهم التي نقلنا جملة منها وجل علماء المدينة ساكتون خائفون من نسبة الإشراك إليهم الذي به تستحل دماؤهم وأموالهم واعراضهم فان وافق موافق منهم فخوفا من السوط والبندق . ونحن نتكلم على بطلان هذه الفتوى ودليلها ( فنقول ) يرجع استدلالهم على ذلك إلى أمور ( الأول ) الإجماع المشار اليه بقولهم البناء على القبور ممنوع إجماعا ( والجواب ) بطلان دعوى الإجماع بل هو جائز إجماعا لاستمرار عمل المسلمين عليه من جميع المذاهب في كل عصر وزمان عالمهم وجاهلهم مفضولهم وفاضلهم أميرهم ومامورهم رجالهم ونسائهم سنيهم وشيعيهم قبل ظهور الوهابية توافقوا عليه في جميع الأجيال والأعصار والأمصار والنواحي والأقطار بدون منع ولا إنكار والسيرة إجماع عملي يشملها ما دل على حجية الإجماع لكشفها كشفا قطعيا لا يعتريه شك عن أن ذلك مأخوذ من صاحب الشرع ومتبوع المسلمين كما مر في المقدمات فلا يتطرق إليها بعض الشبهات الموردة على الإجماع وليس في الإسلام أمر حصلت فيه السيرة حصولها في هذا الأمر واتفق عليه جميع المسلمين من كل فرقة ولا يضر بهذه السيرة ما قد يوجد في بعض الكتب مما ينقله الوهابيون من القول بالمنع استنادا إلى بعض الروايات الشاذة التي لا عامل بها أو لا دلالة فيها أو لم تثبت صحتها غفلة منهم عن هذه السيرة المستمرة التي سبقتهم ولحقتهم فأقوالهم مردودة بها كما يرد القول المسبوق بالإجماع والملحوق به ولعلنا نشير إليها فيما سيأتي إن شاء الله تعالى ( وقد ) اعترف بهذه السيرة الصنعاني في رسالته تطهير الاعتقاد « 3 » حيث أورد على نفسه سؤالا بان هذا أمر عم البلاد وطبق الأرض شرقا وغربا بحيث لا بلدة من بلاد الإسلام الا وفيها قبور ومشاهد بل مساجد المسلمين غالبها لا تخلو عن قبر أو مشهد ولا يسع عقل عاقل ان هذا منكر يبلغ إلى ما ذكرت من الشناعة ويسكت عليه علماء الإسلام الذين ثبتت لهم الوطأة في
--> ( 1 ) صفحة 661 . ( 2 ) هذه العبارة في رسائل الوهابية وهذا مما يدل على أن الجواب من الوهابية وإليهم . ( 3 ) صفحة 17 - 19 طبع المنار بمصر .